دستور

من بيضيبيديا، الموسوعة الفارغة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الدستور أكله الحمار , تلك العبارة الساخرة التي نحتها الشاعر محمد الماغوط، وأصبحت كليشة للتندر على الدساتير العربية، لكنه ذهب إلى رفع سقف السخرية عندما تساءل كيف استطاع الحمار هضم مثل دستور كهذا، في إيحاء المقصود منه أن دساتير الدول العربية لا تصلح حتى لهذا الغرض . الدساتير العربية عبارة عن توليفة من استهبال الشعوب ووضع الحكام في مواقع الآلهة، ما يجعل هضمها صعبا حتى على الحمير ، لذا علينا ألا ننتظر خيرا من الدعوات للجوء إليها .هي منقذ للسلطات الحاكمة التي تجد في اللجوء للدساتير حلا لأزمتها وتشريعا لجرائمها، وهي بهذه الحال تشبه حالة الحرامي الذي "قالوا له: احلف، فقال: جاء الفرج . شاع في دول عربية عديدة بعد الربيع العربي الحديث عن الدساتير وتعديلاتها وإصلاحها في الوطن العربي، حيث بات الطلب كبيرا من أطراف اللعبة المتناقضين على الدستور، الذي بات يمثل مخرجا للاوضاع المأزومة التي وصلت إليها العلاقة بين السلطات والشعوب، وبات الحديث عن الدستور بمنزلة آلية للتسوية بين هذه الأطراف.

الدستور محبوس عادة في قبو في القصر الجمهوري، يتعذّب، ويغتصب من أصغر عناصر الحرس الجمهوري كل يوم ألف مرة وتخضع لعشرات عمليات التجميل المنكرة التي جعل شكله مثل شكل القرد، وأكثر من القرد ما مسخ الله، كما يقول المثل. يتعذّب كل يوم، ويهان ويحتقر ، بل يغتصبه الرئيس نفسه، ويكلّف عناصره من الحرس الجمهوري الصغار باغتصابه. لم يره أحدٌ منذ تولّى الرئيس الذي حبسه في القصر بدعوى صيانته والحفاظ عليه من عيون الحسّاد والطامعين. ولم يظهر سوى مرة في أثناء تولي الرئيس السوري بشار الأسد عرش أبيه الجمهوري. وكنا ننتظر منه أن ينطق، وأن يصرخ، وأن يقول لا، لكنه سكت، فكأنما قطعوا لسانه. شاحب، مسكين، أسير ,،وحاله في مصر مثل حال سوريا ، ربما أقل سوءاً بقليل أو أكثر بقليل ، وظهر مرات عدة أكثر من ظهوره السوري في المشهد السياسي ، لكنه منكر الشكل، العينان عليهما كدماتٌ وجاحظتان من اللكمات .

قد يبدو الأمر طبيعيا لو أن الذين انصرفوا إلى إدخال الدساتير، كحل في صراع مرير على السلطة، كانت نواياهم حسنة فعلا في البحث عن مخرج لهذه الأزمات، ذلك أن الدساتير هي عقود بين الشعوب والسلطات توضّح وتحدّد وتعيّن حقوق وواجبات كل طرف، والصلاحيات المناطة به والسلطات التي يملكها، بحيث يصبح الآلية الأكثر قدرة على موازنة العلاقة بين الشعب والسلطة، مع انحياز دائم للشعب على اعتبار أنه هو المستمر والدائم، في حين أن السلطة متغيرة، وشرط وجودها خضوعها لإرادة الشعب. لكن إلى أي حد تنطبق هذه المواصفات على العلاقة بين الشعب والسلطة في العالم العربي؟ وهل تنطوي الدساتير العربية على هذا القدر من الأهمية والفعالية التي تجعل الشعوب العربية مطمئنة على حقوقها، لمجرد أنه جرى تدوينها في بنود هذه الوثيقة؟

لقد أثبتت مجريات الوقائع أن الدساتير في العالم العربي ليست سوى العشرين أو الخمسة وعشرين بندا التي تتحدث عن صلاحيات رأس الدولة، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، وهو الذي يختار رئيس الوزراء والوزراء، وهو الذي يرأس مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية، وهو الذي يسمي أعضاءها ويعفيهم من مهماتهم، ويحيل إليها القوانين للنظر في مدى ملاءمتها للدستور! وهو الرئيس الفعلي للسلطة التشريعية من حيث آلية التشكيل، وامتلاكه الحق في حلّ البرلمان من دون العودة إلى بقية السلطات.

من حق الرئيس إعلان حالة الطوارئ والإبقاء عليها سنوات وعقودا، يحق له في أثنائها حكم البلاد بالأحكام العرفية، وإلغاء الدستور ووضعه على الرف، وفي مصر وسوريا وكثير من البلاد العربية استمرت حالة الطوارئ لأكثر من أربعين سنة، ما يعني أن جيلا او أكثر لا يعرف ماذا يعني الاختراع الذي اسمه دستور. ورئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهماته إلا في حالة الخيانة العظمى، فمن ذا الذي يستطيع اتهام رئيس يملك كل هذه الصلاحيات بالخيانة العظمى؟ ثم من سيحاكمه إذا هو من يرأس القضاء ويعيّن ويعفي أعضاء المحكمة الدستورية ؟

ما تبقى من الدساتير، فهو مجرد كلام نظري يستحيل أن تجد له ترجمات على أرض الواقع، إذ يندر أن تجد دستورا عربيا لا يقول في مقدمته "الحرية حق مقدس لكل مواطن"، و"المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات"، و"احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين"، و"للمواطن حق التجمع والتظاهر سلميا والإضراب عن العمل"، و"لا يجوز اعتقال أحد بدون مذكرة قضائية"، و"الشعب مصدر السلطات"، و"الحق في الحياة حق مقدس"، و"لكل حق الانتقال من مكان لآخر بكل حرية"، و"على السلطة تأمين كل الأدوات اللازمة ليتمتع المواطن بحقوقه أنفة الذكر".

هاكم نصا ورد في الدستور السوري المعدل سنة 2012 لتعرفوا مدى سخرية هذه الدساتير وتهافتها:

لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة ويحّدد القانون عقاب من يفعل ذلك" (المادة 53).

في سجون الأسد جرى ذبح عشرات الآلاف من المعتقلين وتعذيبهم حتى الموت، وجرى الدعس على رؤوس البشر في الشوارع العامة، وطلب الشبيحة من الأطفال المعتقلين أن يقولوا بشار الأسد إلهنا، وذهب شبيح إلى مقايضة معتقل بالقول له: إذا جعلتني أمارس الدعارة مع زوجتك أعفيك، أو أخفف العقاب عنك!

في الدستور المصري، المعدل سنة 2019، جاء ما تقشعر له الأبدان، فقد ورد في المادة 53:

التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم"، وفي المادة 54: "التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون

لكن جرى تعذيب آلاف السجناء بعد انقلاب السيسي، بمن فيهم الرئيس المصري محمد مرسي، كما حرضت أبواق السيسي على قطاعات شعبية كبيرة ودعت إلى اضطهادها وقهرها على الهواء مباشرة، كما طالب البعض بتصفية المعارضين في الخارج بشكل علني!